يحتفي العالم خلال شهر مايو بشهر التراث اليهودي الأمريكي، وهي مناسبة لاستذكار إسهامات ملايين المواطنين الأمريكيين من أصول يهودية في مختلف مجالات الحياة العامة، كما تمثل فرصة للتأمل في مسارات الهجرة والاندماج والتفاعل الثقافي التي شكلت جزءًا مهمًا من التاريخ الإنساني الحديث.
وفي هذه المناسبة، يسلط مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف الضوء على عدد من الشخصيات اليهودية الأمريكية ذات الجذور المصرية، التي حملت معها ملامح من الذاكرة الثقافية المصرية إلى الولايات المتحدة، وأسهمت في مجالات الصحافة والأدب والفكر والحياة العامة، لتصبح جزءًا من المشهد الثقافي الأمريكي المعاصر.
فقد مثّل الحاخام حاييم موسى دويك أحد أبرز الرموز الدينية للجالية اليهودية المصرية في القرن العشرين، حيث تولى منصب الحاخام الأكبر لليهود في مصر قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1972، واستمر في أداء دوره الديني والاجتماعي، محافظًا على روابط الجاليات اليهودية ذات الأصول الشرق أوسطية بتراثها وتاريخها.
كما برزت لوسيت لانيادو، المولودة في القاهرة، كواحدة من أهم الصحفيات والكاتبات الأمريكيات، وحازت جائزة بوليتزر عن أعمالها الصحفية. ومن خلال مذكراتها الشهيرة “الرجل ذو بدلة جلد القرش البيضاء” قدمت شهادة إنسانية وثقافية مهمة حول تجربة اليهود المصريين وتحولات الشرق الأوسط خلال القرن العشرين.
أما أندريه أكيمان، المولود في الإسكندرية، فقد أصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية الأمريكية المعاصرة، حيث تناولت أعماله موضوعات الهوية والاغتراب والحنين والذاكرة، مستلهمًا في كثير من كتاباته ملامح العالم المتوسطي وتعدد الثقافات الذي عرفته مدن مثل الإسكندرية.
وفي المجال الصحفي، ترك ريتشارد بن كرامر بصمة بارزة في الصحافة الأمريكية من خلال أعماله وتحقيقاته السياسية التي حظيت بتقدير واسع، مع احتفاظ سيرته العائلية بجذور تعود إلى الجالية اليهودية المصرية التي أسهمت تاريخيًا في الحياة الاقتصادية والثقافية لمصر الحديثة.
إن مركز أندلس يؤمن بأن استحضار هذه النماذج لا يتعلق فقط بالاحتفاء بأفراد حققوا نجاحات مهنية وإنسانية بارزة، بل يذكرنا أيضًا بتاريخ مصر بوصفها وطنًا احتضن عبر قرون طويلة تنوعًا دينيًا وثقافيًا وإنسانيًا واسعًا. فقد كانت الجاليات اليهودية جزءًا أصيلًا من النسيج المصري، وأسهمت في التجارة والصناعة والفنون والصحافة والتعليم، شأنها شأن مكونات أخرى متعددة أسهمت مجتمعة في تشكيل الهوية المصرية الحديثة.
وفي وقت تتصاعد فيه خطابات الكراهية والتعصب في مناطق مختلفة من العالم، تزداد أهمية استعادة التجارب التاريخية التي تؤكد أن التعددية ليست تهديدًا للمجتمعات، بل مصدرًا لقوتها وحيويتها. كما أن احترام التنوع الديني والثقافي، والدفاع عن حقوق الأقليات، ومواجهة جميع أشكال التمييز والعنصرية، تظل من القيم الأساسية التي يقوم عليها أي مجتمع يسعى إلى السلام والاستقرار والعدالة.
إن قصص اليهود الأمريكيين من أصول مصرية تمثل نموذجًا لقدرة الإنسان على حمل ذاكرته الثقافية معه أينما ذهب، وتحويلها إلى جسر للتواصل بين الشعوب لا إلى حاجز للفصل بينها. وهي تذكرنا بأن التراث الإنساني المشترك أكبر من الحدود السياسية، وأن قيم التسامح والتعايش واحترام الاختلاف تظل الركائز الأساسية لبناء مستقبل أكثر إنسانية.
#مركز_أندلس